صحيفة إسرائيلية: ما الذي جعل بوتين يعيد حساباته إزاء أوكرانيا؟

المدينة نيوز :- صحيح أن التوتر على الحدود الروسية الأوكرانية خبا قليلاً عقب صافرة التهدئة التي أطلقها بوتين حول تطلعه للامتناع عن الحرب، ولكن من السابق لأوانه أن نبشر بانتهاء الأزمة. حتى ولو كانت سبل تسويتها لا تزال محاطة بالغموض، يمكن لنا أن نستخلص استنتاجات أولية بإزاء أصول المواجهة. إن جذور النزاع الحالي لا تعود إلى السياق الأوكراني الضيق (فعلى أي حال، لا يعتزم الغرب ضم أوكرانيا إلى حلف الناتو في المستقبل القريب)، إنما الأمر هو تحدي روسيا لجوهر النظام الأوروبي الذي تكوّن بعد انهيار الإمبراطورية الشيوعية في 1991 وذلك في ظل استغلال ضعف المهيمن الأمريكي الذي يؤشر إلى نيته فك ارتباطه عن بؤر الاحتكاك والحرب.
على هذه الخلفية، فإن تحطم سيادة النظام المؤيد للغرب في أوكرانيا يعد في الكرملين وسيلة لترهيب لاعبين آخرين في المنطقة، وعلى رأسهم دول البلطيق وبولندا، من مغبة توسيع وتعميق علاقاتها الأمنية والاقتصادية مع القوى الغربية. وهكذا، كما يفكرون في موسكو، سيكون ممكناً توجيهها إلى مسار سياسي حيادي ومنضبط، بروح السلوك الفنلندي الحذر ابتداء من العام 1945.
ولكن بخلاف خطوة القوة التي بادر إليها الكرملين في العام 2014، حين استغل وهن الرئيس أوباما كي يضم شبه جزيرة القرم، فالأمور تبدو مختلفة في الأزمة الحالية.
رغم الضوء الأخضر الذي أعطاه البيت الأبيض ضمناً لعملية روسية عسكرية محدودة في بداية الأزمة، احتد الخط الأمريكي كلما تصاعدت الأزمة – وهددت بجر أوروبا كلها إلى دوامة عنيفة. لقد فهم بايدن بأن عرضاً إضافياً للوهن من جانبه، بروح انسحابه المفزوع من أفغانستان والتنازلات أحادية الجانب لإيران في محادثات فيينا – لن يهز فقط ميزان القوى في أوروبا، بل وسيلقي بظله على عهد رئاسته وارثه في الغرفة البيضاوية.
في ضوء هذا الاعتراف، تميزت الأيام الأخيرة بخطاب قتالي أكثر من جانب الرئيس، بل وأيضاً بنشاط أمريكي حثيث حيال ألمانيا، التي بيدها المفتاح لتغيير ميزان الربح والخسارة المتوقع في نظر الرئيس الروسي. والمقصود هو أنبوب الغاز نوردستروم 2 الذي انتهى تمديده في أعماق البحر البلطيقي بين روسيا وألمانيا، ولكن تفعيله يستوجب عملية وضع نظام له لم تنته بعد.
لا خلاف عن أن الحديث يدور عن مصدر ربح مستقبلي عظيم الأهمية لنظام بوتين؛ وهو مصدر وضع فجأة أمام علامة استفهام، في ضوء استعداد المستشار الألماني شولتس للانضمام إلى جهود الصد من خلال خلق صلة صريحة بين الغزو وبين تجميد المشروع كله. هذه الرافعة القوية أصبحت محطمة التعادل في المعركة كلها، على الأقل حتى الآن. وهي التي أدت بحاكم الكرملين إلى إعادة احتساب المسار وإعادة تقديره لميزان المخاطر التي تنطوي على عملية عسكرية واسعة النطاق في أوكرانيا، في ضوء محور الردع الغربي الذي تبلور أخيراً بقيادة الولايات المتحدة.
إذا كان الكرملين سيقرر أن يسحب – أو على الأقل يؤجل حالياً – خططه العسكرية (مقابل وعد أمريكي بالامتناع عن ضم أوكرانيا إلى الناتو في المستقبل القريب)، فسيكون هذا مؤشراً واضحاً على أن الشائعات حول موت الهيمنة الأمريكية كانت سابقة لأوانها.
بقلم: إبراهام بن تسفي - القدس العربي