مدونة السلوك الاعلامي تسلك طريقا خاطئا

وقف الممارسات الاسترضائية هو تصويب لسياسة اعتمدتها الحكومات المتعاقبة
30/12/2009
سعت الحكومة من وراء اصدار مدونة سلوك للعلاقة مع وسائل الاعلام الى انهاء التداخل الناجم عن سياسات الاسترضاء والتوظيف والتنفيع وهذه كلها خطوات متقدمة لتحرير وسائل الاعلام والجهات الحكومية من سياسات الابتزاز تلقى تأييداً واسعا من الصحافيين. لكن المدونة وفي سعيها لتصويب العلاقة بين السلطتين وضعت الصحافة الاردنية في سلة واحدة وعاقبت الصحف اليومية وكأنها المسؤولة عن التجاوزات القائمة. وتمثل هذا العقاب في الغاء الاشتراكات في الصحف اليومية واخضاع نشر الاعلانات الى مزاج المسؤولين ويأتي هذا الاجراء مع بداية سنة جديدة يواجه فيها القطاع الخاص تداعيات الازمة الاقتصادية.
استبدلت الحكومة آلية الاشتراك السنوي في الصحف وهي الاكثر حداثة وتوفيرا بآلية متخلفة تقوم على مبدأ الشراء المباشر من السوق يوميا.
الاشتراك السنوي في الصحف والعقود السنوية للاعلان هي الوسائل المتبعة عالميا فمعظم قراء الصحف من الافراد يفضلون اليوم الاشتراك السنوي »المنزلي« حيث تصل الصحيفة الى غرف نومهم صباحا بدلا من عناء التوجه الى السوق والبحث في المكتبات فما بالك المؤسسات التي يتطلب عمل المسؤولين فيها وعلى كل المستويات الاطلاع على ما تنشره الصحف من قضايا وآراء وتلعب دور الوسيط بين المسؤول والمواطن وتنقل هموم الناس للجالسين على مكاتبهم في الوزارات.
الغاء هذا الاسلوب العصري سيجعل الصحف تحت رحمة المسؤولين فمن يغضب من صحيفة تنتقد اداء وزارته او مؤسسته سيحرص على عدم شرائها او الاعلان فيها. بهذا المعنى فإن تعليمات تنفيذ المدونة تؤسس لاسلوب جديد من الابتزاز من طرف المسؤولين لمنعها من نشر تقارير صحافية تنتقد اداءهم.
واذا كان الانتشار وليس الانحياز للإعلام الوطني هو المعيار في اختيار وسائل نشر الاعلان فهذا يعني ان مواقع صحافية الكترونية مثل "الجزيرة والعربية" ستحظى بحصة كبيرة من اعلانات الحكومات كونها من الاكثر قراءة في الاردن وبماذا ستجيب الحكومة الزملاء في موقع عمون الاخباري او "خبرني" اذا طالبوا بحصتهم من الاعلان وهذا من حقهم?!
والغريب في امر المدونة انها تقرر ومن طرف واحد وقف الاشتراكات في الصحف اليومية ووضع معايير خاصة لنشر الاعلانات ثم تطلب من الصحف نشر اعلانات مجانية بحجة انها "اعلانات للتوعية العامة".
قلنا في البداية اننا نؤيد وبقوة وقف كل الممارسات الاسترضائية مثل تعيين المستشارين والتمييز في الاشتراكات للصحف الاسبوعية وتقديم العطايا والهبات للصحافيين والكتاب وهذه كلها سياسة اعتمدتها الحكومات المتعاقبة ومؤسسات الدولة والهدف من المدونة هو تصويب اخطاء الحكومات وليس معاقبة الصحف والمواقع الالكترونية المحترمة.
وتصحيح الأخطاء لا يمكن ان يتحقق من دون مراجعة ومكاشفة لما كان يجري في السنوات الماضية. وينبغي على الحكومة ان تحمي المال العام وتستعيده وبأثر رجعي, لقد دفع مسؤولون بعضهم ما زال في موقع المسؤولية اموالا من الخزينة لصحافيين وسياسيين لشراء ولائهم وتولت اجهزة حكومية طباعة صحف اسبوعية على نفقة الدولة.
وفاتنا في غمرة الجدل حول مضمون المدونة وتعليماتها ان نسأل لماذا لم تشمل بنودها شركات العلاقات العامة والاعلام التي تعتمد عليها معظم المؤسسات الحكومية المستقلة في نشر اخبارها وتنظيم مؤتمراتها مقابل عقود خيالية اليس في هذا هدر واسترضاء?!
وفاتنا ان نسأل الحكومة ايضا عن موقع الاعلام الرسمي في المدونة فهل من حق المواطن دافع الضرائب ان يشاهد شاشة اردنية تمثل كل اطياف المجتمع وتنقل اخبار الاحزاب والنقابات مثلما تنقل اخبار الحكومة والسادة الوزراء وتعطي المجال للرأي الآخر كما تمنحه للحكومة امتثالا لبنود المدونة التي طالبت الاعلام المستقل بالموضوعية والنزاهة والدقة في نقل الاخبار.
مدونة السلوك خطوة متقدمة لكنها وفي بعض بنودها وتطبيقاتها سلكت طريقا خاطئا.