واحد بالمئة من السودان!!

لا ينافس نسبة التسعة وتسعين بالمئة لمن صوتوا على انفصال جنوب السودان الا تلك النسبة التقليدية في الاستفتاءات الرئاسية في دول شمولية أو شبه شمولية.. فهل يستحق الواحد بالمئة من السودانيين الذين صوتوا ضد الانفصال ان يأخذوا مساحة حتى لو كانت بحجم غابة او حديقة من اهتمام الميديا.. ان من صوتوا لصالح الانفصال الذي أصبح الآن أمراً واقعاً يكافأ عليه شمال السودان بالخروج النسبي من خانة الارهاب لديهم من الطبول التي يقرعونها طرباً ما يكفي ، فالواحد بالمئة من أي شعب في العالم هو الناي الشجي الذي يعزف لحن الوداع رغماً عنه ، لكن التاريخ ليس دائماً رهينة الحكم بالجملة وفيه من الاستثناءات ما يفسد القواعد ولا يكرسها كما يقال..
الخاسر في مثل هذه الاستفتاءات يكظم غيظه مثلما كظم حلمه ، ويعود الى نفسه ليقول لها في سره انه فعل ما عليه ، وبذلك استحق البراءة أمام ضميره الوطني والتاريخ. لكن على المدى الأبعد وبمعايير اخرى غير هذه التي يحتكم اليها الناس اجرائياً،
ان من حق الواحد بالمئة الخاسر في كل التجارب المماثلة ان يفعل ما فعله ذات يوم السير هنري وهو عامل فرنسي عجوز رفع يافطة تخص مطالبه خلال أحداث مايو الفرنسية عام 1968 ، وحين انتهى كل شيء وصمت الشارع سأله أحد الضباط عن سبب بقائه ، فأجاب بصوت مبحوح يتسرب من فمه الأدرد قائلا انه لا يطمح الى تغيير فرنسا أو حتى مسار بعوضة في سمائها ، ثم اضاف.. ان الجنرال ديغول ومن هو فوقه أو دونه لن يغيروني ، هكذا اصبحت معركة فرد عادي واحد من طراز آخر تماما وهي ألا يغير ، رغم انه لا يتطلع الى التغيير بسبب عجزه عن تحقيقه...
الواحد بالمئة من اية استثناءات ليسوا بحاجة الى محامي الشيطان أو القضاة المعصومين كي يترك بصمته الصغيرة على الجدار ، فالاستفتاءات العربية حول أوطان تتحول الى كسور عشرية قادمة في الطريق. وثمة من يتجرأون على طرح العروبة ذاتها للاستفتاء.. لهذا علينا منذ الآن ان نهيء أنفسنا لاحصاء النسب المتدنية والتي قد تتراوح بين الواحد والثلاثة بالمئة فقط..
الآن سيكون لاول مرة منذ قرن سفير سوداني في السودان ، وسفارة سودانية في السودان ايضاً ، وتبسيط الامر كأن يقال ان البلدان لا تعيش برئة واحدة أو كلية واحدة لم يعد مقنعاً في زمن تطور فيه الطب حتى شارف على الاستنساخ ، والجراحات السياسية التي تتم بسكاكين حادة وليس بمباضع دقيقة وصغيرة قادرة الآن على تجريد الجسد من نصف احشائه وابقائه على قيد الحياة.. لكن وفق قائمة من الشروط الصعبة التي تحول الحياة ذاتها الى عبء يومي.
الكلام عن تقسيم السودان اصبح منذ الآن منزوع الفاعلية ، لأن السودان قسم بالفعل ، وان كان هناك واحد بالمئة منه ترفض هذا التقسيم ويحتاج الناس الى حواسيب ورياضيات ولوغرتمات سياسية جديدة تنتمي الى مرحلة ما بعد الحداثة وما بعد الوحدة كي يثبتوا ان الواحد بالمئة أهم من الباقي وهو تسعة وتسعون بالمئة من الناس،
ونادراً ما نسمع أحدا يتساءل عن مكاسب السودان شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً من هذا الانشطار.. فما يقال هو متعلق بعدد من السوائل منها النفط والماء والرذاذ المتطاير من خطب الساسة.. أما الدم فهو مستثنى من هذه السوائل التي شطرت البلاد الى دولتين..
يقول من اصبح عليهم قبول الامر الواقع بعد انفصال الجنوب السوداني ان العلاقة بين دولتي الشمال والجنوب ستكون أوثق من اية علاقة بين دولتين في العالم..
هكذا أصبحت منذ الآن علاقة السودان بالسودان وخلاصة المشهد ان هناك لاول مرة سفارة سودانية على أرض السودان،،
(الدستور)