حتى لا يقع الفلسطينيون في سوريا بين «رصاصين»؟!

تصريحات «بعض» المعارضة السورية المتحاملة على الفلسطينيين بذريعة «انحيازهم» أو انحياز بعض فصائلهم للنظام، تزرع بذور فتنة، وتمهد لما لا يحمد عقباه من تطورات وتداعيات على مستقبل العلاقات بين الشعبين الشقيقين، وهي تذكرنا بما سبق لرموز من المعارضة العراقية أن أدلت به من مواقف وتصريحات قبل وأثناء وبعد الحرب على العراق (2003)، والتي مهدت الطريق لمقارفة مذابح ضد الفلسطينيين في بغداد.
الفلسطينيون في سوريا، شأنهم شأن إخوانهم السوريين، منقسمون في موقفهم ونظراتهم حيال النظام القائم في دمشق، أجزم بأن غالبيتهم لا تحتفظ بمشاعر ود حياله، وهي عاشت أياماً أفضل في سوريا، والاشتباك المديد والمرير بين النظام من جهة وقيادة فتح والمنظمة من جهة أخرى، أدى إلى انفضاض قواعد واسعة من الشعب الفلسطيني من حول الأطر والمؤسسات والفصائل المحسوبة على النظام، بل وأدت إلى تنامي مشاعر التعاطف الشعبي مع قوى ورموز سورية معارضة.
أذكر أن الشعب الفلسطيني اللاجئ في سوريا، قد خرج عن بكرة أبيه لتشييع جثمان الشهيد خليل الوزير إلى مثواه الأخير في مخيم اليرموك، وأذكر مئات ألوف السوريين الذي شاركوا إخوانهم الفلسطينيين مشاعر الحزن والعزاء المشترك، وأذكر الاستماتة السورية الرسمية في منع الرئيس الراحل ياسر عرفات من المشاركة في مراسم التشييع، لأن وجود الرجلين في العاصمة السورية وفي التوقيت ذاته، وكلاهما على الأكتاف، أحدهما حي والآخر ميت، كان سيفضي إلى خروج تظاهرات مليونية، نعرف من أين تبدأ ولا نعرف أين تنتهي.
لكن الشعب الفلسطيني يعرف حدود الضيافة وقواعدها، فهو ليس طرفاً في حسابات الداخل السوري، وهو لا يريد لسوريا، النظام أو المعارضة، أن تكون طرفاً في حساباته الداخلية، ومثلما كان يطلب رسمياً من الفلسطينيين عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الشقيقة، المضيفة منها لهم وغير المضيفة، فإنه من المنطقي أن نطلب اليوم، من الشقيقة سوريا، نظاماً ومعارضة، الكف عن محاولة الزج بالفلسطينيين في أتون الصراع الداخلي، لأنهم في مختلف الظروف والأحوال، من سيدفع الثمن، ومن دون أن يجدوا بواكي لهم.
لقد دفع الفلسطينيون في العراق أثماناً باهظة جراء محاولات أطراف من السلطة والمعارضة الزج بهم في أتون الصراع، ولقد استمعنا إلى اتهامات مماثلة للفلسطينيين، صدرت عن شخصيات في المعارضة العراقية قبل الحرب الأمريكية على العراق (2003)، تلك الاتهامات التي مهّدت للمذابح التي قارفتها هذه الفصائل السوداء، المتلفحة بالعمامات السوداء، ضد ألوف الفلسطينيين، وكانت السبب في تشتيتهم وتهجيرهم مرة أخرى، ولكن إلى أقاصي الأرض هذه المرة، إلى تشيلي والبرازيل والمكسيك، وأحسب أن فلسطينياً عاقلاً واحداً، لا يريد نهاية مماثلة للفلسطينيين في سوريا.
من الخطأ اتهام حماس بالانحياز للنظام، هذا لا ينسجم مع «إخوانية» الحركة، ولقد صدر عن حماس ما يشي برغبتها في الاحتفاظ بمسافة تفصلها عن النظام، ومن «غير السياسة» هنا، أن لا يلحظ مراقب أو مثقف بحجم عبد الرزاق عيد، الفارق بين مواقف حماس وحزب الله على سبيل المثال، وأن لا يرصد بدقة الأنباء التي تحدثت وتحدت عن «أزمة صامتة» بين حماس والنظام، وعن تفكير حمساوي بنقل المقرات من دمشق إلى مكان آخر، كما أن حالة عدم الانسجام بين حماس والنظام السوري، كانت في خلفية الاهتمام المتزايد لدى الحركة بالإسراع في توقيع اتفاق المصالحة الوطنية مع فتح.
كما في الحالة العراقية، هناك فصائل فلسطينية لا تمثل سوى حفنة من قادتها وبضع مئات من منتسبيها، ارتبطت وجوديا ومصيرياً بالنظام القائم، هناك فرع بعثي في صفوف الفلسطيني (الصاعقة إن كنتم تذكرون) وهناك الجبهة الشعبية- القيادة العامة، ولقد ارتسمت بالأمس، وبصورة جليّة، طبيعة العلاقة بين فصائل من هذا الطراز وجماهير الشعب الفلسطيني، عندما لم يجد «مقاتلو» هذه الفصائل سوى الذخيرة الحية لتفريغها في صفوف المحتجين من أبناء المخيم وبناته، على ارتباطات هذه الفصائل وأجنداتها والتي طالما غلّبت «حسابات الدولة الراعية» على حسابات القضية ومصلحة الشعب الفلسطيني، لقد أسقطت «القيادة العامة» في سويعات، ما لم تسقطه أنظمة الاستبداد والفساد في أيام، من ضحايا في صفوف المواطنين العزل، إنهم لا يختلفون في شيء عن الأنظمة التي طالما خدموها ووضعوا بنادقهم تحت تصرفها وإمرتها. ( الدستور )